ابن الجوزي

92

صيد الخاطر

عليه ، بما كشف له مما غطي عن ذاك ، ويتم النظام بالاقتداء . تصور أولئك ، فان العارف لا يتسع وقته لمخالطة من يقف مع الصورة ، فالزاهد كراعي البهم . والعالم كمؤدب الصبيان ، والعارف ملقن الحكمة ، ولولا نفّاط « 1 » الملك وحارسه ، ووقاد أتونه ، ما تم عيشه ، فمن تمام عيش العارف استعمال أولئك بحسبهم ، فإذا وصلوا اليه حرر مانعهم ، وفيهم من لا يصل اليه ، فيكون وجود أولئك كزيادة ( لا ) في الكلام هي حشو ، وهي مؤكدة ، فان قال قائل : فهب هذا يصح في الدنيا ، فكيف في الجنة ؟ والجواب . ان الأنس بالجيران مطلوب ، ورؤية القاصر من تمام لذة الكامل ، ولكلّ شرب . ومن تأمل ما أشرت اليه كفاه رمز لفظي عن تطويل الشرح « 2 » . 45 - معرفة اللّه لما تلمحت تدبير الصانع في سوق رزقي بتسخير السحاب ، وانزال المطر برفق ، والبذر تحت الأرض كالموتى ، قد عفن ينتظر نفخة من صور الحياة ، فإذا به اهتز خضرا ، ثم إذا انقطع عنه الماء ، مد يد الطلب يستعطي ، وأمال رأسه خاضعا ، ولبس حلل التغير ، فهو محتاج إلى ما أنا محتاج اليه من حرارة الشمس ، وبرودة الماء ، ولطف النسيم ، وتربية الأرض . فسبحان من أراني فيما يربّيني به ، كيف تربيتي في الأصل . فيا أيتها النفس التي قد اطلعت على بعض حكمه ، قبيح بك واللّه الاقبال على غيره ، ثم العجب كيف تقبلين على فقير مثلك ، يناديني لسان حاله : « بي مثل ما بك ، يا حمام ! » فارجعي إلى الأصل الأول ، واطلبي من المسبب ، ويا طوبى لك أن عرفتيه ، فان عرفانه ملك الدنيا والآخرة . 46 - تحذير الاخوان كنت في بداية الصبوة . قد ألهمت سلوك طريق الزهاد ، بإدامة الصوم والصلاة ، وحببت اليّ الخلوة . فكنت أجد قلبا طيبا . وكانت عين بصيرتي قوية الحدة تتأسف على لحظة تمضي في غير طاعة ، وتبادر الوقت في اغتنام الطاعات ، ولي نوع أنس وحلاوة مناجاة . فانتهى الأمر إلى أن صار بعض ولاة الأمور

--> ( 1 ) أي الموكل بالنفط . ( 2 ) تأملت فرأيت أن هذا الرمز لم يكف وان كان خيرا لو عمد إلى تطويل الشرح .